وكالة مهر للأنباء _ في الولايات المتحدة، لم يعد دعم الكيان الصهيوني قضيةً سهلةً وخاليةً من المخاطر، بحيث يمكن للسياسيين اتخاذ موقفٍ بشأنها دون قلق. فقد غيّرت جرائم إسرائيل واسعة النطاق في غزة، وقتل المدنيين، وتدمير البنية التحتية الحيوية، والصور المنشورة لحياة الفلسطينيين تحت القصف، الصورة التي رُسمت لإسرائيل على مدى سنوات في أوساط المجتمع الأمريكي. واليوم، حتى داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، يُسمع صوت معارضة سياسات بنيامين نتنياهو أكثر من أي وقت مضى، وقد وصل هذا الصوت إلى الساحة الانتخابية.
وتُعدّ تصريحات السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز الأخيرة أحد مؤشرات هذا التغيير. فقد أعلن ساندرز أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية تعتزم إنفاق 233 مليون دولار لهزيمة المرشحين المعارضين لحكومة نتنياهو. كما ادّعى أن هذه الجماعات أنفقت نحو 33 مليون دولار لهزيمة عبد السيد في الانتخابات التمهيدية في ميشيغان، لكنها لم تُفلح. تُظهر تقارير الانتخابات أيضًا أن جماعات تابعة للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) أنفقت عشرات الملايين من الدولارات لدعم منافس عبد السيد في انتخابات ميشيغان.
ولا تقتصر أهمية هذه القضية على مبلغ الـ 233 مليون دولار أو على انتخابات ميشيغان فحسب، بل يتعداها إلى السؤال الأهم: لماذا أصبحت معارضة السياسات الإسرائيلية قضية تستدعي مثل هذه النفقات؟ يكمن الجواب في المناخ الاجتماعي المتغير في أمريكا.
على مدى العقود الماضية، سعت إسرائيل إلى تقديم نفسها في الرأي العام الغربي، وخاصة في الولايات المتحدة، كنظام ديمقراطي وضحية للتهديدات الأمنية. لطالما واجهت هذه الصورة انتقادات، بالطبع، ولكن بعد الهجمات الإسرائيلية المكثفة على غزة، باتت الفجوة بين هذه الصورة والواقع على الأرض أكثر وضوحًا لملايين الأمريكيين.
لم تعد صور الأطفال القتلى، والعائلات المحاصرة تحت أنقاض منازلها، والمستشفيات التي تعاني من وضع مزرٍ، ومدينة دُمِّر جزء كبير من بنيتها التحتية، مقتصرة على وسائل الإعلام العربية أو شبكات الأخبار الإقليمية، بل وصلت هذه الصور أيضًا إلى الجمهور الأمريكي مباشرةً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يطرح تساؤلات جدية حول الرواية الإسرائيلية الرسمية.
يمكن ملاحظة التحول نفسه في بيانات الرأي العام. ففي استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب في فبراير 2026، ولأول مرة منذ عقود، تجاوز تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين تعاطفهم مع الإسرائيليين، بنسبة 41% مقابل 36%. وكان هذا التحول واضحًا بشكل خاص بين الشباب والديمقراطيين.
لا يعني هذا أن المجتمع الأمريكي موحد ضد إسرائيل، لكن الأهم هو أن احتكار الرواية الإسرائيلية آخذ في التلاشي. ففي الماضي، كان انتقاد إسرائيل في العديد من الأوساط السياسية الأمريكية يُكلف السياسي ثمنًا باهظًا. أما اليوم، فإن بعض شرائح المجتمع الأمريكي لا تنأى بنفسها عن هذه الانتقادات فحسب، بل تسعى بدورها إلى زيادة الضغط على الحكومة الإسرائيلية.
يُعد عبد السيد مثالًا بارزًا على هذا التغيير. فخلال حملته الانتخابية في ميشيغان، رفض الدعم العسكري الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وانتقد بشدة سياسات حكومة نتنياهو في غزة والضفة الغربية. في المقابل، أنفقت جماعات مؤيدة لإسرائيل عشرات الملايين من الدولارات لدعم منافسه، لكن عبد السيد تمكن من الفوز في الانتخابات التمهيدية.
... يحمل هذا الحادث رسالةً بالغة الأهمية: المال قادر على شراء الدعاية، لكنه لا يستطيع بالضرورة محو الحقائق على أرض الواقع من أذهان الناس.
إذا شاهد الشعب الأمريكي الصور والأخبار المتعلقة بغزة، وإذا اطلع على المزيد حول قتل المدنيين، والجوع، والدمار الواسع النطاق في المنطقة، وإذا توصل بعضهم إلى استنتاج مفاده ضرورة الحد من دعم واشنطن لإسرائيل، فلن يكون الإنفاق على الحملات الانتخابية وحده كافيًا لوقف هذا التغيير الاجتماعي.
بل إن المشكلة أعمق من ذلك. ففي الآونة الأخيرة، جرت محاولة في مجلس الشيوخ الأمريكي لإجبار الحكومة الأمريكية على تقديم تقرير عن انتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية. وقد رُفض الاقتراح بتصويت 47 مقابل 51، لكن مجرد طرح مثل هذا الإجراء يُظهر أن سلوك القوات والمستوطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة قد أصبح قضيةً خطيرةً في النزاعات الداخلية للولايات المتحدة.
في الواقع، ما تواجهه إسرائيل اليوم ليس مجرد أزمة في ساحة المعركة أو أزمة دبلوماسية؛ بل إن الأزمة الأهم هي أزمة صورتها وشرعيتها السياسية في الرأي العام في بعض أجزاء الغرب.
تعليقك